مصر وأوكرانيا.. شراكة الغذاء ودبلوماسية التوازن
في خضم تحولات دولية متسارعة وأزمة ممتدة تلقي بظلالها على أسواق الطاقة والغذاء، يكتسب الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي ونظيره الأوكراني أندريه سيبيها دلالات تتجاوز الإطار الثنائي، ليعكس توازنًا دقيقًا في التحرك المصري بين المصالح الاقتصادية والثوابت السياسية.
العلاقات بين القاهرة وكييف شهدت خلال السنوات الماضية زخمًا ملحوظًا، خاصة في مجالات التجارة والسياحة وتوريد الحبوب. ويأتي تأكيد الجانبين على تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري في توقيت حساس، إذ تمثل أوكرانيا أحد المصادر الرئيسية للحبوب عالميًا، فيما تُعد مصر من أكبر الدول المستوردة للقمح. ومن هنا، فإن طرح استضافة مصر لمركز عالمي لتخزين وتوريد وتجارة الحبوب لا يُقرأ فقط كمبادرة اقتصادية، بل كرؤية استراتيجية لتعزيز أمن الغذاء الإقليمي وتأمين سلاسل الإمداد في مواجهة الاضطرابات الدولية.
تمتلك مصر مقومات تجعلها مؤهلة للعب هذا الدور؛ موقع جغرافي يتوسط طرق التجارة العالمية، وبنية لوجستية متطورة تشمل موانئ حديثة وشبكات نقل ممتدة، إضافة إلى خبرة متراكمة في إدارة سلاسل الإمداد. وفي ظل التقلبات التي شهدتها الأسواق منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، يصبح تعزيز القدرة على التخزين والتوزيع أولوية لا تقل أهمية عن توفير الإمدادات ذاتها.
أما على الصعيد السياسي، فقد جاء تجديد مصر موقفها الثابت الداعي إلى الحلول السلمية عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية ليؤكد نهجًا واضحًا في التعامل مع الأزمات الدولية. فالقاهرة تنطلق من قناعة راسخة بأن استمرار الصراعات يفاقم تداعياتها الاقتصادية والإنسانية، ليس فقط على أطرافها المباشرين، بل على النظام الدولي ككل. ومن ثم، فإن الدعوة إلى تسوية سياسية تحفظ الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي تعكس رؤية تقوم على احتواء الأزمات بدلًا من تعميقها.
اللافت في هذا التحرك أنه يجمع بين براغماتية المصالح وثبات المواقف؛ فمصر تسعى لتعزيز شراكاتها الاقتصادية بما يخدم أمنها الغذائي ويعزز مكانتها كمحور لوجستي عالمي، وفي الوقت ذاته تتمسك بمبدأ تسوية النزاعات سلميًا. هذا التوازن يمنح الدبلوماسية المصرية مساحة حركة أوسع في عالم تتزايد فيه الاستقطابات.
في لحظة دولية تتسم بعدم اليقين، تبدو أهمية هذا التواصل في كونه يعكس إدراكًا مشتركًا بأن التعاون الاقتصادي والاستقرار السياسي وجهان لعملة واحدة. فالأمن الغذائي لا ينفصل عن الأمن السياسي، وكلاهما يتطلب شراكات مسؤولة وحوارًا مستمرًا. ومن هنا، تتعزز قيمة التحرك المصري كفاعل يسعى إلى بناء مسارات تعاون، لا إلى إدارة أزمات فحسب.

