الداخلية:مليار و300 مليون جنيه حجم قضايا الإتجار بالنقد الأجنبي المضبوطة خلال 4 أشهر
تمثل جريمة الإتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي، أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الدولة المصرية في الوقت الراهن، لما لها من انعكاسات مباشرة على استقرار المنظومة النقدية وسعر صرف الجنيه.
وتؤدي هذه الممارسات إلى تنشيط سوق موازية للعملات الأجنبية، يتحكم من خلالها بعض المتعاملين في أسعار الصرف بعيدًا عن الإطار الرسمي والرقابة المصرفية، وهو ما ينعكس سلبًا على السوق الرسمية ويزيد من حدة الضغوط التضخمية.
وفي سياق جهود الدولة الرامية إلى دعم مسار الإصلاح الاقتصادي وبناء "الجمهورية الجديدة"، شدد اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، على استمرار المواجهة الحاسمة لجرائم الإتجار بالنقد الأجنبي والمضاربة على العملات، لاسيما ما يتم منها عبر إخفاء العملات عن التداول الرسمي والاتجار بها خارج القنوات المصرفية المعتمدة، لما تمثله من تهديد مباشر للاقتصاد القومي.
وفي هذا الإطار، أعلن مصدر أمني رفيع المستوى بوزارة الداخلية عن نجاح الأجهزة المعنية في توجيه ضربات قوية ومؤثرة لمافيا العملات الأجنبية؛ أسفرت عن ضبط عدد كبير من قضايا الإتجار في النقد الأجنبي خارج السوق المصرفية.
وأوضح المصدر أن قيمة المبالغ المضبوطة في تلك القضايا من العملات الأجنبية، بلغ نحو مليار و300 مليون جنيه، وذلك خلال أربعة أشهر فقط، مشيرا إلى أن هذه الأرقام تعكس حجم التحدي الذي تواجهه الأجهزة الأمنية في مكافحة هذه الظاهرة الخطيرة، كما تكشف عن مدى انتشار الشبكات الإجرامية التي تنشط في هذا المجال عبر مختلف محافظات الجمهورية.
شبكات منظمة تستهدف الاقتصاد الوطني
ويستغل القائمون على هذه الأنشطة غير المشروعة حاجة المواطنين والمستوردين للعملات الأجنبية، ويعملون على تحقيق أرباح غير قانونية، عبر شراء وبيع العملات بأسعار مخالفة للسعر الرسمي المعتمد من البنك المركزي، وهو ما يفاقم من الضغوط على الاقتصاد الوطني.
وتعمل هذه الشبكات الإجرامية بنظام محكم ومدروس، حيث يتم تقسيم الأدوار بين أعضائها، فهناك من يقوم بجمع العملات الأجنبية من مصادر مختلفة، ومن يتولى عمليات المضاربة والمتاجرة، ومن يعمل كوسطاء بين البائعين والمشترين، بالإضافة إلى من يقوم بعمليات التمويه ونقل الأموال لإخفاء معالم الجريمة.
كما تعتمد تلك الشبكات غير المشروعة في نشاطها على أساليب خفية للتمويه ونقل الأموال، سواء من خلال وسطاء أو عبر استخدام وسائل إلكترونية، مما يستلزم يقظة أمنية متواصلة وجهودا مكثفة لضبطهم وتقديمهم للعدالة.
وتشير التحقيقات الأمنية إلى أن بعض هذه الشبكات تستخدم تطبيقات المراسلة المشفرة ومجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي، للتواصل مع عملائها، كما يستخدم البعض منهم أنشطة تجارية شرعية كغطاء لممارسة نشاطهم الإجرامي، مما يجعل عملية كشفهم وضبطهم تتطلب جهودا أمنية استخباراتية متقدمة.
الأضرار الناجمة عن الإتجار في النقد الأجنبي على الاقتصاد المصري
وتؤدي جريمة الإتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي إلى أضرار جسيمة تطال مختلف جوانب الاقتصاد الوطني؛ حيث تسهم في استنزاف الاحتياطيات الأجنبية للدولة، من خلال تسرب العملات الأجنبية خارج القنوات المصرفية الرسمية، مما يضعف قدرة البنك المركزي على تلبية احتياجات الاستيراد الحيوية ودعم الاقتصاد.
ويؤكد الخبراء الاقتصاديون أن هذا التسرب المستمر للعملات الأجنبية، يحرم الدولة من قدرتها على إدارة احتياطياتها بشكل فعال، ويقلل من هامش الأمان الاقتصادي الذي تحتاجه البلاد لمواجهة الأزمات المالية الطارئة أو الصدمات الخارجية، كما يعوق قدرة مصر على سداد التزاماتها الخارجية وتمويل مشروعات التنمية الاستراتيجية.
كما تؤدي هذه الجريمة إلى زيادة الضغوط التضخمية، حيث يضطر المستوردون والتجار إلى شراء العملات الأجنبية من السوق الموازية بأسعار مرتفعة، ثم يقومون بتحميل هذه التكاليف الإضافية على أسعار السلع والخدمات، مما يزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين ويؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للجنيه المصري.
وينعكس هذا الأمر بشكل مباشر على الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة ارتفاعات متتالية في أسعار السلع الأساسية والخدمات الضرورية، دون أن تكون لديهم القدرة على مواكبة هذه الارتفاعات من خلال زيادة مماثلة في دخولهم، مما يخلق ضغوطا اجتماعية واقتصادية خطيرة.
وعلى صعيد آخر، تتسبب السوق السوداء للعملات في تشويه المؤشرات الاقتصادية الرسمية، حيث تجعل من الصعب على صناع القرار الاقتصادي، قياس حجم التعاملات الحقيقية والتخطيط السليم للسياسات النقدية والمالية، مما يعوق جهود الإصلاح الاقتصادي ويقلل من فعالية القرارات التنموية.
فالبيانات الإحصائية الرسمية لا تعكس حجم التعاملات التي تتم خارج النظام المصرفي، مما يؤدي إلى قراءات خاطئة للوضع الاقتصادي، وبالتالي قرارات قد لا تكون مناسبة للواقع الفعلي، وهو ما يؤثر على كفاءة السياسات الاقتصادية ويهدر موارد الدولة في إجراءات قد لا تحقق الأهداف المرجوة منها.
ويمتد الضرر أيضا إلى المناخ الاستثماري، حيث يؤدي عدم الاستقرار في السوق الموازية إلى تردد المستثمرين الأجانب في ضخ استثماراتهم في البلاد، خوفا من تقلبات العملة وصعوبة التنبؤ بالعوائد المستقبلية؛ مما يحرم الاقتصاد الوطني من فرص خلق فرص عمل وتوطين التكنولوجيا وزيادة الإنتاج.
وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن المستثمرين الأجانب يضعون استقرار سوق الصرف على رأس أولوياتهم عند اتخاذ قرارات الاستثمار، فوجود سوق موازية نشطة، يخلق حالة من عدم اليقين، تجعل من الصعب على الشركات الأجنبية حساب تكاليفها وعوائدها بدقة، مما يدفعها إلى تأجيل أو إلغاء خططها الاستثمارية في البلاد.
وترتبط جريمة الإتجار بالعملة بأنشطة غسيل الأموال والاقتصاد الموازي، حيث تستخدم الشبكات الإجرامية السوق السوداء لإخفاء مصادر أموالها غير المشروعة وتحويلها إلى عملات أجنبية؛ مما يغذي الفساد المالي والإداري ويؤدي إلى فقدان الدولة لإيرادات ضريبية ضخمة، كان من المفترض أن تُستخدم في تمويل مشروعات التنمية والخدمات العامة.
وتقدر بعض الدراسات أن حجم الاقتصاد الموازي في الدول التي تنتشر فيها السوق السوداء للعملات قد يصل إلى نسب كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني فقدان الدولة لموارد مالية هائلة، كان يمكن استثمارها في بناء المدارس والمستشفيات وشبكات البنية التحتية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتؤثر هذه الظاهرة سلباً على القطاع المصرفي الرسمي، نظراً لأنها تقلل من حجم الودائع بالعملات الأجنبية لدى البنوك، وتضعف قدرتها على تمويل أنشطة الاستيراد والتصدير والاستثمار، كما تُضعف ثقة الجمهور في المؤسسات المالية الوطنية وتشجع على الاحتفاظ بالعملات خارج النظام المصرفي.
ويؤدي هذا إلى حلقة مفرغة، حيث يقل حجم السيولة الأجنبية المتاحة لدى البنوك، مما يجعل من الصعب على المستثمرين ورجال الأعمال الحصول على احتياجاتهم من العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، فيلجأون مرة أخرى إلى السوق الموازية، وهكذا تستمر الحلقة في التوسع والنمو.
استراتيجية أمنية شاملة للمواجهة
وتؤكد المؤسسات الاقتصادية، أن استمرار هذه الظاهرة يهدد جهود الدولة في ضبط الأسواق والحفاظ على استقرار سعر الصرف، الأمر الذي يجعل من مواجهتها ضرورة وطنية لحماية الأمن الاقتصادي للبلاد ودعم مسيرة الإصلاح المالي، وهو ما استهدفته وزارة الداخلية خلال الأسهر القليلة الماضية، وحققت فيه نجاحات مبهرة.
وتعتمد الأجهزة الأمنية في مواجهة هذه الجريمة على استراتيجية أمنية متكاملة تشمل عدة محاور، أبرزها تكثيف الحملات الميدانية في المناطق المعروفة بنشاط تجارة العملة، واستخدام التقنيات الحديثة في المتابعة والرصد الإلكتروني للمشتبه فيهم، بالإضافة إلى التنسيق مع الجهات الرقابية والمالية لتبادل المعلومات والبيانات المالية.
كما تعمل الأجهزة الأمنية على رصد وتحليل أنماط التعاملات المالية المشبوهة، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتحديد الشبكات الإجرامية وكشف خيوطها، قبل أن تتمكن من إلحاق المزيد من الضرر بالاقتصاد الوطني.
وتشمل الاستراتيجية الأمنية أيضا عقد شراكات فعالة مع البنوك والمؤسسات المالية والغرف التجارية، لتوعيتها بأهمية الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه، وتزويدها بالمعلومات اللازمة لحماية موظفيها وعملائها من الوقوع في شراك هذه الشبكات الإجرامية.
عقوبات رادعة لحماية الاقتصاد الوطني
ووفقاً للمادة (126) من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفى والنقد رقم 88 لسنة 2003 الخاص بتنظيم عمليات النقد الأجنبي، والذي تم تعديله للحد من عمليات الإتجار فى العملة وتغليظ العقوبة على كل من تسول له نفسه ممارسة تلك النشاطات، التى تؤثر بالسلب على الاقتصاد الوطني، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز خمسة ملايين جنيه، كل من خالف أىّ من أحكام المواد (111 و113 و114 و117) من القانون الخاص بتنظيم عمليات النقد الأجنبى.
ونصت المادة (126) مكرراً على أن يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات، وبغرامة تساوى المبلغ محل الجريمة، كل من يتعامل فى النقد الأجنبي خارج البنوك المعتمدة أو الجهات المرخص لها بذلك، كما تنص على أن يحكم فى جميع الأحوال بمصادرة المبالغ محل الجريمة.
وتهدف هذه العقوبات الصارمة إلى تحقيق الردع العام والخاص، حيث تمثل رسالة واضحة لكل من تسول له نفسه المساس بالأمن الاقتصادي للبلاد، وتؤكد أن الدولة المصرية تتعامل بحزم شديد مع هذه الجرائم التي تهدد استقرار الاقتصاد الوطني ومستقبل الأجيال القادمة.
كما أن مصادرة المبالغ المضبوطة تمثل ضربة قاصمة لهذه الشبكات الإجرامية،حيث تحرمها من الأرباح غير المشروعة التي كانت تسعى لتحقيقها، وتعيد هذه الأموال إلى الدائرة الاقتصادية الرسمية لتستفيد منها الدولة في مشروعاتها التنموية.
نتائج إيجابية ملموسة
ومازالت وزارة الداخلية تكثف جهودها لضبط المتلاعبين بالاقتصاد القومي عبر الإتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي، خاصة وأن هذه الحملات تؤتي ثمارا إيجابية في الحد من تلك الظاهرة الإجرامية.
وتشير البيانات الرسمية إلى تراجع ملحوظ في نشاط السوق الموازية خلال الأشهر الأخيرة، نتيجة للحملات الأمنية المكثفة والعقوبات الرادعة التي يتم تطبيقها بحق المخالفين من جانب، والسياسات المالية والنقدية من الدولة من جانب آخر؛ ما أسهم في تعزيز ثقة المواطنين في القنوات المصرفية الرسمية وزيادة حجم التعاملات من خلالها.
كما أدت هذه الجهود إلى تحسن تدريجي في المؤشرات الاقتصادية، وزيادة حجم الاحتياطيات الأجنبية، وتراجع معدلات التضخم، وتحسن المناخ الاستثماري، وهو ما يعكس نجاح الاستراتيجية الأمنية والاقتصادية المتكاملة التي تنتهجها الدولة المصرية لحماية اقتصادها الوطني وتعزيز مسيرة التنمية المستدامة.
وتواصل الأجهزة الأمنية يقظتها وجهودها المكثفة، مع التأكيد على أن مكافحة هذه الجريمة الاقتصادية الخطيرة، تمثل أولوية وطنية، وأن الدولة لن تتهاون مع أية محاولة للمساس بالأمن الاقتصادي للبلاد أو عرقلة مسيرة التنمية التي تشهدها مصر في إطار بناء "الجمهورية الجديدة".





