لواء دكتور حمدي النهري يكتب: الشرق الأوسط فوق صفيح ساخن "واشنطن تشعل الأزمات .. والمشروع الصهيوني يحصد النتائج"
بقلم لواء د. حمدي النهري الخبير الأمني وأستاذ القانون الجنائي
أن ما يجري في الشرق الأوسط والعالم ليس مجرد صراعات منفصلة بين دول، بل شبكة من الأزمات المتزامنة والمدبره بمعرفة الكيان الصهيونى وتقوم الولايات المتحده الأمريكيه بدور المنفذ الجيد ، والتي أدت بالفعل إلى تشتيت القوى الإقليمية الكبرى وإضعاف قدرتها على التأثير في النظام الدولي.
هذه الفكرة تستحق النقاش من زاويتين: زاوية سياسية وزاوية إستراتيجية أوسع.
** أولاً: من الناحية السياسية، يشهد العالم في السنوات الأخيرة تراكماً للصراعات الإقليمية في مناطق متعددة. فهناك الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والتوتر المستمر بين الصين وتايوان، والصراع التاريخى بين الهند وباكستان، إضافة إلى التوترات في الشرق الأوسط بين إيران وعدد من دول الخليج. كذلك هناك ملف سد النهضة الذي خلق توتراً بين مصر وإثيوبيا. هذه الصراعات بالفعل تشكل ضغطاً سياسياً وأمنياً على الدول المعنية وتجعلها منشغلة بقضاياها المباشرة.
- من خلال التحليل السياسى لما يدور حولنا من أحداث وصراعات، ليس هناك شك أن وراء كل تلك الأحداث جهة واحدة تديرها بالكامل وهى إسرائيل والتى تقوم بدور العقل المدبر لكل الصراعات الخطيره والتى يشهدها العالم ، وتلتزم أمريكا بتنفيذ الخطه الموضوعه لها بكل ماتملك من أسلحة متطوره .
- على الجانب الأخر من العالم توجد قوتين لايستهان بهما ، وهما الصين وروسيا، ولكل منها مصالح وإستراتيجيات خاصة ، وتحاول كلاً منهما توسيع نفوذها أيضاً، مما يجعل المشهد أقرب إلى تنافس إستراتيجى عالمى ، تحكمه المصالح المتبادله ، فروسيا والصين يحاولان جاهدتين أن لايتركا العالم وخاصة منطقه الشرق الأوسط للولايات المتحده الأمريكيه للحفاظ على مصالحهما بتلك المنطقه الأكثر أهميه لهما ، ولكنهما يتجنبا المواجهه المباشره مع الولايات المتحده والمتعطشه لأموال الخليج ومصادر الطاقه ، والتى إستطاعت فى السنوات الماضيه أن تجعل من دول الخليج قواعد عسكريه مفتوحه ، .
ثانياً، من الناحية الإستراتيجية، فكرة "تشتيت الخصوم" هي بالفعل مبدأ معروف في علم الإستراتيجية. في التاريخ العسكرى والسياسى كثيراً ما تحاول الدول الكبرى إشغال منافسيها في أزمات متعددة حتى تقل قدرتهم على التركيز في جبهة واحدة. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن جميع الصراعات يتم صناعتها من الخارج ، فبعضها نابع من خلافات تاريخية أو مصالح جغرافية وإقتصادية متعارضة بين الدول نفسها.
فمثلاً، الصراع بين روسيا وأوكرانيا مرتبط بجذور تاريخية وأمنية تتعلق بتوسع حلف شمال الأطلسى ونفوذ موسكو في فضائها السوفيتى السابق. كذلك التوتر بين الصين وتايوان يعود إلى الحرب الأهلية الصينية عام 1949 ومسألة السيادة الصينية. أما النزاع بين الهند وباكستان فهو مرتبط بقضية كشمير منذ تقسيم شبه القارة الهندية. هذه أمثلة توضح أن الصراعات لها جذور معقدة ، تم إستغلالها كأدوات لتشتيت الآخرين.
** أما فيما يتعلق بالشرق الأوسط، فالموقع الجغرافى للمنطقة يمنحها أهمية إستراتيجية هائلة، خاصة بسبب المضائق البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية ، من أبرز هذه المضائق مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس ، فالسيطرة أو التأثير في هذه الممرات البحرية يمنح أي قوة دولية قدرة كبيرة على التأثير في حركة الطاقة والتجارة العالمية، ولذلك تتنافس القوى الكبرى للحفاظ على وجود سياسى أو عسكرى بالقرب منها.
** وتسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على نفوذها في المنطقة، خاصة في ظل تحالفها الإستراتيجى مع إسرائيل ومصالحهما المشتركه فى تلك المنطقه ، مع ملاحظة أن هناك يقظه متأخره، فالدول العربية نفسها أصبحت تحاول تنويع علاقاتها الدولية وعدم الإعتماد الكامل على قوة واحدة، من خلال علاقات مع الصين أو روسيا أو عبر تحالفات إقليمية جديدة.
** ومن المسلم به أن الأزمات في الشرق الأوسط ليست نتيجة تخطيط خارجي من أمريكا وإسرائيل فقط ، ولكن ساعد على إشتعالها تراكمات داخلية: صراعات سياسية، إنقسامات طائفية وعرقيه، مشاكل إقتصادية، وضعف في منظومات التعاون الإقليمى. هذه العوامل تجعل المنطقة أكثر عرضة للتدخلات والمؤامرات الخارجيه .
** أما فكرة إستخدام الحرب كحجه أو ذريعة للتدخل، فقد حدثت بالفعل قبل ذلك حين غزو العراق عام 2003 بزعامة وقيادة الولايات المتحدة الأمريكيه ، والتى أوهمت العالم على غير الحقيقه بوجود أسلحة دمار شامل وبالطبع لم يتم العثور عليها لعدم وجودها من الأساس ، ولكنها كانت مبرراً لإستباحه أراضى العراق والتى كانت تمثل قوه عربيه تؤرق الطفل المدلل للولايات المتحده الأمريكيه وهى إسرائيل ، فهذا الحدث ترك أثراً عميقاً في الوعى السياسي في المنطقة، وجعل كثيراً من الناس يشككون في دوافع القوى الكبرى عندما تتحدث عن الأمن أو الإستقرار.
** ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن العالم اليوم يختلف عن فترة ما بعد الحرب الباردة، فالقوة الأمريكية هى الأعظم على مستوى العالم وهذا مما لاشك فيه ، لكنها لم تعد مطلقة كما كانت في التسعينيات، فقد شهد العالم فى السنوات القليله الماضيه ظهور الصين كقوة إقتصادية عالمية، وعودة روسيا كلاعب عسكرى وسياسى، إضافة إلى صعود قوى إقليمية مثل تركيا وإيران وباكستان، كلها عوامل تجعل النظام الدولى أكثر تعقيداً وتنافسية.
** من الناحيه الإستراتيجيه كذلك ، فإن ما يحدث في الشرق الأوسط يمكن فهمه أيضاً ضمن صراع أوسع على طرق التجارة والطاقة والتكنولوجيا. فالمنافسة اليوم لا تقتصر على السيطرة العسكرية، بل تشمل أيضاً البنية التحتية والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية. لذلك نرى مشاريع مثل "الحزام والطريق" الصينية ومحاولات أمريكية وأوروبية لإنشاء ممرات إقتصادية بديلة تربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط.
** وإذا ماتركنا الخليج العربى المشتعل وألقينا نظره على أفريقيا ، فنجد أصابع إسرائيل وأمريكا تعبث ببعض البلدان الأفريقيه لجر مصر إلى حروب لانهايه لها ، فنجد تحركات عسكريه فى الغرب وتحفز من بعض المرتزقه فى ليبيا ، ونجد فى السودان جنوباً متمردين مرتكزين على الحدود ينتظرون أى فرصه تسنح لهم لإشعال حرب والدخول عبر الحدود الجنوبيه ، كما نجد أزمة سد النهضه والتى تهدد أمن مصر المائى ، والذى إعترف دونالد ترامب بأن الولايات المتحده قامت بتمويل بناؤه ، بهدف تشتيت جهود مصر ، كما تجرى الأن محاولة جر مصر لحرب مع أثيوبيا والتى تحاول غزو أرض الصومال بدعوى ضرورة وجود ميناء لها على البحر الأحمر ، لكى تتمكن هى وحليفتها إسرائيل من السيطره على الملاحه فى البحر الأحمر وحركة السفن المتجهه إلى قناة السويس والتحكم فى هذا الشريان الهام لحركة الملاحه الدوليه والنقل البحرى
في النهاية، يمكن القول أن الواقع أكثر تعقيداً، ويجمع بين التنافس الدولى، والمصالح الإقتصادية، والصراعات التاريخية والدينيه ، والعوامل الداخلية للدول نفسها.
**التحدى الحقيقى أمام الدول العربية ليس فقط فهم هذه التوازنات الدولية، بل القدرة على بناء قوة إقليمية مشتركة، وتعزيز التعاون الاقتصادى والسياسي بينها، حتى لا تبقى مجرد ساحة لتنافس القوى الكبرى. فالتاريخ يثبت أن الدول التي تمتلك رؤية إستراتيجية موحدة ومؤسسات قوية تستطيع حماية مصالحها حتى في عالم مليء بالصراعات والتنافس الدولى ، وأن تستيقظ من سباتها العميق وتتيقن أنها إستغاثت بالذئب ليحميها من أشقائها وسمحت لأمريكا بعمل قواعد عسكريه فى بلادها لحمايتها ، ولكن فى الحقيقه أنشأتها لإحكام السيطره على دول الخليج ومصادر الطاقه بها ولضمان أمن إسرائيل ، وهذا إتضح تماماً فى الحرب الدائره بين أمريكا والكيان الصهيونى من ناحيه وإيران الباسله من ناحيه أخرى ، فالوضع الحالى خطير ولايحسدنا عليه عدو أو حبيب .






