نهله علي تكتب :الخلط بين الدين والسياسة
حين تتحول القيم إلى أدوات في مجتمعاتنا العربية، يظل الدين عنصرًا أصيلًا في تشكيل الوعي والهوية، بينما تظل السياسة مجالًا لإدارة المصالح وتنظيم شؤون الدولة. لكن المشكلة تبدأ حين يختلط المجالان بشكل غير منضبط، فيتحول الدين من منظومة قيم سامية إلى أداة في صراع السلطة، وتتحول السياسة من إدارة عقلانية إلى ساحة للاستقطاب باسم المقدس.
الدين في جوهره علاقة بين الإنسان وربه، قائم على الأخلاق والضمير والعدل. أما السياسة فهي فن الممكن، قائمة على المصالح والتوازنات والقرارات التي قد تصيب وقد تخطئ. وعندما يتم توظيف الدين داخل السياسة، فإن أي اختلاف سياسي يتحول إلى صراع عقائدي، يُكفَّر فيه الخصم أو يُخوَّن، بدلًا من أن يُناقش ويُحاسب.
هذا الخلط لا يضر السياسة فقط، بل يسيء إلى الدين نفسه. فعندما ترتبط الأخطاء السياسية بغطاء ديني، يفقد الناس ثقتهم ليس فقط في السياسي، بل في الخطاب الديني أيضًا. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: تشويه القيم، وإضعاف الوعي، وخلق حالة من الانقسام المجتمعي يصعب علاجها.
كما أن استخدام الشعارات الدينية في العمل السياسي يمنح بعض الأطراف حصانة زائفة، وكأنهم يتحدثون باسم السماء، مما يعطل النقد والمحاسبة. وفي المقابل، يُقصى من يختلف معهم، ليس لأنه مخطئ سياسيًا، بل لأنه “ضد الدين” في نظرهم.
الفصل بين الدين والسياسة لا يعني إقصاء الدين عن الحياة، بل يعني حمايته من التوظيف والاستغلال. فالدين يبقى مرجعية أخلاقية توجه السلوك، بينما تظل السياسة مجالًا للنقاش المفتوح القائم على الكفاءة والمصلحة العامة.
إن بناء دولة مستقرة وعادلة يتطلب وعيًا حقيقيًا بهذه الحدود، بحيث لا يُستخدم الدين كسلاح، ولا تُدار السياسة بعقلية الوعظ أو القداسة. فالأوطان تُبنى بالعقول الواعية، والضمائر الحية، لا بالشعارات التي تُستدعى وقت الحاجة ثم تُنسى عند أول اختبار حقيقي.
في النهاية، الدين أسمى من أن يُختزل في صراع سياسي، والسياسة أخطر من أن تُدار بعاطفة دينية غير منضبطة. وبين هذا وذاك، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول لحماية المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى أو الاستغلال






