الأحد من المنزل والخدمة عبر الإنترنت.. الداخلية تواكب قرارات الترشيد الحكومي بالتوسع الرقمي
في اللحظة التي تعود فيها فكرة العمل الحكومي عن بعد (أون لاين) إلى الواجهة تحت ضغط ترشيد الطاقة وتداعيات الحرب الإيرانية / الأمريكية / الاسرائيلية، والاعتداءات الإيرانية على عدد من دول الخليج والدول العربية، تبدو وزارة الداخلية واحدة من أكثر الجهات التي يُنتظر منها أن تثبت أن الرقمنة لم تعد مجرد عنوان للتطوير، بل صارت أداة مباشرة لضمان استمرار الخدمة العامة من دون ارتباك.
وجاء اعلان الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء اليوم عن العمل عن بُعد يومًا ( أون لاين) أسبوعيًا داخل القطاعين العام والخاص، ليؤكد أن الدولة تمتلك أساسًا إداريًا يمكن البناء عليه كلما استدعت الظروف، لتقليل التشغيل التقليدي داخل المقار الحكومية.
ومن هنا تكتسب ميكنة العمل داخل وزارة الداخلية معنى أوسع من مجرد تحديث إداري، لأن البنية الرقمية في الوزارة صُممت أصلًا على أساس إنشاء منظومة معلومات متكاملة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة لرفع مستوى الأداء وربط النظم المختلفة، بما يضمن تشغيلها كمنظومة واحدة.
وهذا التصور يعني أن الاعتماد على الرقمنة في أوقات الضغط لم يعد خيارًا بديلًا، بل مسارًا يسمح باستمرار اتخاذ القرار، وسرعة تبادل البيانات، وتقديم الخدمة للمواطن، حتى مع خفض الوجود الفعلي داخل المباني الحكومية أو تقليل ساعات التشغيل التقليدي.
وعلى مستوى الخدمات الجماهيرية، فإن التوسع في الأون لاين داخل قطاعات مثل الجوازات والمرور والأحوال المدنية لم يعد ملفًا مؤجلًا، بل أصبح قلب الاستجابة الحكومية لأي قرار مرتبط بالعمل عن بُعد.
فالبوابات الإلكترونية المتخصصة تقدم بالفعل خدمات شاملة، تشمل تجديد رخص المركبات، وإصدار الملصق الإلكتروني، واستخراج بدل فاقد أو تالف لرخص المركبات والقيادة، والتحقق من صحة البيانات، وحجز المواعيد، والاستعلام عن المخالفات.
وفي الوقت نفسه، تُتاح خدمات مدنية مرتبطة بنيابات المرور، وأخرى متعلقة بالأحوال الشخصية والأحوال المدنية والتوثيق، مما يعكس اتجاها واضحا لتقليل الاعتماد على الشباك التقليدي، كما تُتيح بوابات قطاع الجوازات والهجرة والجنسية خدمات رقمية متخصصة، من بينها شهادات التحركات عبر الإنترنت، وهو ما يختصر الوقت والجهد ويدعم فكرة استمرار الخدمة حتى في أيام العمل من المنزل أو في ظروف الترشيد الاستثنائية.
والأهم أن الرقمنة داخل الداخلية لا تتوقف عند استخراج الخدمة، بل تمتد إلى استقبال شكوى المواطن ومتابعتها وقياس جودة الأداء نفسه، فهناك إدارة متخصصة لمتابعة الشكاوى تتلقى كافة الالتماسات والشكاوى الواردة للوزارة بكافة الوسائل، سواء من المواطنين أو منظمات المجتمع المدني، وتدرسها وتتخذ اللازم بشأنها، كما تقترح آليات لقياس مستوى الأداء في الخدمات العامة وتبسيط إجراءاتها.
وبالتوازي مع ذلك، يتم رصد ومتابعة ما يُنشر عن الوزارة على مواقع التواصل الاجتماعي وقياس اتجاهات الرأي العام، إلى جانب متابعة ما ينشر من شكاوى المواطنين واستفساراتهم في وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية والرد عليها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وبذلك تصبح صفحات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي جزءًا من دورة العمل الرسمية، لا مجرد مساحة للتعليق أو النقد.
أما البلاغات عبر الإنترنت، فهي تمثل بدورها وجهًا حاسمًا في هذا التحول، خصوصًا مع اتساع الجرائم المعلوماتية والاحتيال الرقمي، فالإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات تعلن ضمن خدماتها الجماهيرية تلقي كافة البلاغات الخاصة بالجرائم المعلوماتية، كما تضع مكافحة جرائم الحاسبات وشبكة المعلومات ضمن اختصاصاتها الأساسية، وهذه النقطة بالذات تكشف أن الوزارة لا تنظر إلى الفضاء الإلكتروني باعتباره مجرد أداة خدمية، بل باعتباره أيضًا ساحة أمنية كاملة تستلزم قنوات بلاغ رقمية ومتابعة فنية واستجابة سريعة، وهو ما ينسجم تمامًا مع منطق الدولة التي تتحرك لتخفيف الضغط على المقار والطاقة من دون أن تسمح بتراجع القدرة على الضبط أو التفاعل مع المواطنين.
وفي المحصلة، فإن أي الاتجاه لتفعيل العمل (أون لاين) يوم الأحد، أو التوسع في العمل عن بُعد خلال فترة الترشيد، لن ينجح فعليًا إلا إذا ارتبط بوزارة داخلية أكثر اعتمادًا على المنصات الرقمية وأكثر قدرة على تحويل الخدمة والشكوى والبلاغ إلى مسارات إلكترونية كاملة وسريعة وموثوقة، فالمطلوب في هذه اللحظة ليس فقط أن يقل استهلاك الكهرباء داخل المباني الحكومية، بل أن يشعر المواطن أيضًا أن الدولة لم تنسحب من المشهد، وأن استخراج الخدمة، ومتابعة الشكوى، وتقديم البلاغ، كلها أمور يمكن إنجازها عبر الشاشة بالكفاءة نفسها التي كانت تتم من خلف الشباك، وهنا بالضبط تظهر قيمة الرقمنة التي نجحت وزارة الداخلية في تطبيقها، بوصفها جزءًا من الأمن الإداري والخدمي في وقت الأزمات، لا مجرد رفاهية تقنية.




