دكتورة نورا طارق تكتب :الجغرافيا الاقتصادية وحروب الممرات
في تطور سريع يعكس احتدام صراع الإرادات بين واشنطن وطهران، عادت إيران لفرض سيطرة مشددة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وذلك بعد مرحلة قصيرة من التهدئة المؤقتة مع الإدارة الأمريكية.
هذا التصعيد أعاد طرح سؤال جوهري: من يملك بالفعل مفاتيح التأثير في الاقتصاد العالمي—القوة العسكرية أم السيطرة على الممرات الاستراتيجية؟
بداية المشهد كانت بإعلان طهران فتح المضيق مؤقتًا خلال فترة التفاوض، وهو ما انعكس فورًا على الأسواق العالمية، حيث تراجعت أسعار النفط بنحو 8–10% ليقترب سعر البرميل من 90 دولارًا،
هذا التحسن النسبي لم يكن نتيجة تحرك أمريكي فقط ، بل نتيجة تحركات سياسية لقوى عالمية ( التحالف الرباعى الإقليمى (مصر والسعودية وباكستان وتركيا و ترتيبات سياسية غير معلنة، تضمنت ضغوطًا لاحتواء التصعيد في لبنان، ما يعكس تداخل الملفات الإقليمية مع أمن الطاقة العالمي.
لكن هذه التهدئة لم تدم طويلًا.
إيران لم تتعامل مع فتح المضيق كتنازل، بل كأداة تفاوضية ضمن معادلة أوسع: أمن الملاحة مقابل توازنات إقليمية.
هذا الربط بين ملف عالمي (الطاقة والتجارة) وملف إقليمي (لبنان) يمثل تحولًا نوعيًا في إدارة الصراع، حيث باتت طهران تستخدم موقعها الجغرافي كورقة ضغط استراتيجية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك.
وبذلك، لم يعد بالإمكان فصل أمن المضيق عن التوازنات السياسية في الشرق الأوسط.
واذا استعرضنا أحد أبرز ملامح الأزمة المتمثل في الاختلاف الواضح داخل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فخلال فترة زمنية قصيرة، صدرت عنه مواقف وتصريحات متناقضة:
التأكيد على استمرار الحصار على الموانئ الإيرانية وعدم تقديم تنازلات.
التلويح بإمكانية التصعيد العسكري وعودة العمليات القتالية.
في الوقت نفسه، الحديث عن “محادثات جيدة جدًا” مع طهران وإمكانية التوصل لاتفاق.
طرح روايات متباينة حول الملف النووي الإيراني، تضمنت إشارات إلى تعليق البرنامج أو نقل مواد مخصبة، وهو ما قوبل بنفي إيراني رسمي.
هذا التناقض لا يمكن اعتباره مجرد ارتباك، بل يمكن تفسيره عبر:
تكتيك تفاوضي مزدوج يجمع بين الضغط والانفتاح.
اعتبارات داخلية تتعلق بإدارة الصورة أمام الرأي العام الأمريكي.
محاولة تجنب الظهور بمظهر المتراجع أ أو المهزوم سياسيا وعسكريا امام الضغوط الإيرانية.
إلا أن النتيجة المباشرة كانت زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية.
في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعًا ومباشرًا، حيث نفت طهران الروايات الأمريكية بشأن الملف النووي، مؤكدة أن أي حديث عن نقل اليورانيوم أو تعليق البرنامج “غير مطروح”.
كما أعلنت أن إعادة فتح المضيق تخضع لشروط صارمة، تشمل:
قصر المرور على السفن التجارية.
منع أي شحنات أو سفن مرتبطة بدول معادية.
الالتزام بمسارات محددة تخضع لإشراف إيراني مباشر.
التنسيق الكامل مع القوات البحرية الإيرانية.
ومع استمرار التصعيد في الخطاب الأمريكي، أعلنت إيران إعادة فرض “سيطرة مشددة” على المضيق، مؤكدة أن إدارة حركة الملاحة ستظل بيدها حتى تحقيق استقرار إقليمي شامل
واذا تتبعنا خطورة هذا التصعيد من الأهمية الحيوية والاستراتيجية لمضيق هرمز، نجد أن
يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية (17–20 مليون برميل يوميًا).
يمثل ممرًا رئيسيًا لصادرات الغاز الطبيعي المسال، خاصة من دول الخليج.
أي اضطراب فيه يؤدي إلى تقلبات فورية في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أي تعطّل جزئي في المضيق يمكن أن يدفع الأسعار للارتفاع بشكل حاد، بينما يوضح صندوق النقد الدولي أن زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تخفض النمو العالمي بنحو 0.2–0.3%.
التطورات الأخيرة تشير بوضوح إلى انتقال الأزمة من مرحلة التفاوض التكتيكي إلى مرحلة تصادم الإرادات السياسية.
فمن الجانب الإيراني، هناك تأكيد على أن السيطرة على المضيق ورقة سيادية يمكن استخدامها ميدانيًا إذا لم تتحقق المطالب عبر التفاوض.
ومن الجانب الأمريكي، يستمر الخطاب المزدوج بين التهديد والتفاوض، ما يعكس غياب رؤية مستقرة لإدارة الأزمة.
في ضوء المشهد الحالي، يمكن تصور عدة سيناريوهات رئيسية:
تهدئة مشروطة: عبر تفاهمات تربط بين أمن الملاحة وتسويات إقليمية.
تصعيد محدود: استمرار القيود دون إغلاق كامل للمضيق.
مواجهة واسعة: قد تدفع أسعار النفط إلى تجاوز 120 دولارًا للبرميل، مع تداعيات اقتصادية عالمية حادة.
استخدام العالم للطرق والموانى المصرية التى قامت مصر بتجهيزها وإعدادها بأمان وسرية تامة وكشفت عنها مؤخرا من أبرز هذه المشروعات ميناء دمياط، الذي يمثل حلقة وصل بين الخليج وأوروبا عبر خط "الدورو" الأخضر، معتمداً على فكرة "الترانزيت غير المباشر" لربط مصر بإيطاليا ومنها إلى أوروبا. ويُتوقع أن تتداول محطة "تحيا مصر" بدمياط ما بين 3 إلى 5 ملايين حاوية سنوياً، وهو رقم يعكس حجم الدور الاستراتيجي للميناء.
كما يبرز ميناء سفاجا الجديد المطور لاستيعاب السفن العملاقة، ليشكل مع ميناء دمياط شبكة تجارية متكاملة تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتفتح خطوطاً مباشرة إلى أوروبا (ميناء تريستا الإيطالي) والخليج العربي. هذه الرؤية تجعل من مصر طوق نجاة لدول الخليج في ظل التوترات الأمريكية – الإيرانية، وتضعها في موقع المركز الإقليمي والعالمي للنقل واللوجيستيات.
الخلاصة
تكشف أزمة مضيق هرمز عن تحول عميق في طبيعة الصراع الدولي، حيث لم تعد السيطرة العسكرية وحدها كافية، بل أصبحت الجغرافيا الاقتصادية—وخاصة الممرات البحرية—أداة مركزية في إعادة تشكيل النفوذ العالمي.
وفي ظل التناقضات في الخطاب السياسي والتشابك بين الملفات الإقليمية والدولية، يبقى العالم أمام اختبار حقيقي: هل تنجح الدبلوماسية في احتواء الأزمة، أم أن “حروب الممرات” ستصبح السمة الأبرز للنظام الدولي الجديد؟



.jpg)


