الأربعاء 21 يناير 2026 | 10:24 م

أسماء كامل تكتب :معركة التربية بين فرض السلطة وبناء الوعي


 تُعد تربية الأبناء من أكثر القضايا تأثيرًا في تشكيل المجتمعات وبناء الأجيال القادمة، إذ لا تقتصر على تعليم السلوكيات الصحيحة فحسب، بل تمتد لتكوين الشخصية، وتعزيز الشعور بالقيمة، وبناء القدرة على اتخاذ القرار. ومع ذلك، لا يزال أسلوب السيطرة والسلطة المفرطة حاضرًا بقوة في كثير من البيوت، تحت اعتقاد خاطئ بأن الصرامة وحدها هي الطريق الأمثل للتربية السليمة.

تشير دراسات نفسية وتربوية حديثة إلى أن فرض القواعد بشكل صارم دون حوار أو تفهم قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تؤثر سلبًا على النمو النفسي والاجتماعي للأطفال، وتحد من قدرتهم على التفاعل مع الحياة بثقة واستقلالية.

-ما المقصود بالتربية السلطوية؟

تعتمد التربية السلطوية على فرض القواعد الصارمة مع توقع طاعة كاملة من الطفل، دون إتاحة مساحة للنقاش أو تفسير أسباب تلك القواعد. وغالبًا ما يُستخدم العقاب كوسيلة أساسية لضبط السلوك، بينما يقل التواصل العاطفي والتشجيع.

وقد ذكرت صحيفة ومواقع طبية عالمية مثل WebMD أن الأطفال الذين ينشأون في بيئة تربوية قائمة على السلطة المطلقة يميلون إلى الطاعة بدافع الخوف، لا الفهم، وهو ما قد ينعكس لاحقًا في صورة قلق، أو عدوانية، أو تمرد مكبوت.

الآثار النفسية والسلوكية للسيطرة المفرطة

* تراجع القدرة على اتخاذ القرار
الأطفال الذين لا يُسمح لهم بالتعبير عن آرائهم أو المشاركة في اتخاذ القرارات المناسبة لأعمارهم، غالبًا ما يفتقدون الشعور بالكفاءة. ومع الوقت، يتكون لديهم اعتماد مفرط على الآخرين، وخوف من الخطأ، ما يضعف قدرتهم على المبادرة وتحمل المسؤولية.

* ضعف التفاعل الاجتماعي
أظهرت دراسة منشورة في مجلة Frontiers in Psychology أن التربية السلطوية تؤثر سلبًا على مهارات الأطفال الاجتماعية، وتحد من قدرتهم على تكوين علاقات صحية مع أقرانهم. فالطفل الذي لا يشعر بالأمان في التعبير داخل أسرته، يجد صعوبة في بناء علاقات قائمة على الثقة والانفتاح خارجها.

* تأثيرات غير مباشرة على التحصيل الدراسي
رغم أن الصرامة قد تُنتج انضباطًا ظاهريًا على المدى القصير، فإنها تقلل من التفكير الإبداعي والنقدي. التعليم القائم على الخوف لا يعزز حب التعلم، ولا يساعد الطفل على استكشاف قدراته أو الإيمان بمهاراته الذاتية.

-لماذا يلجأ بعض الآباء إلى أسلوب السيطرة؟

يرجع لجوء بعض الأسر إلى هذا الأسلوب لأسباب متعددة، من بينها:
    •     الخوف المبالغ فيه على مستقبل الأبناء.
    •     الموروثات التربوية التقليدية التي تربط بين التربية الجيدة والصرامة.
    •     نقص الوعي بأساليب التربية الحديثة القائمة على الحوار والدعم النفسي.

وقد أشارت دراسات تربوية إلى أن غياب المرونة داخل الأسرة يزيد من الضغط النفسي على الطفل، ويؤثر على توازنه العاطفي على المدى الطويل.

-البدائل الصحية للتربية السلطوية

* التربية المتوازنة (التشاركية)
تجمع التربية المتوازنة بين وضع حدود واضحة، وإتاحة مساحة للحوار، واحترام مشاعر الطفل. وتؤكد الأبحاث أن هذا الأسلوب يساعد الأطفال على تطوير شعور داخلي بالقيمة، والقدرة على اتخاذ القرار، وتحمل نتائج اختياراتهم.

* الحزم دون قسوة
الحزم لا يعني السيطرة، بل يعني توضيح القواعد وتطبيقها بعدل وثبات، مع شرح أسبابها. هذا النهج يُشعر الطفل بالأمان، ويعزز لديه الإحساس بالعدل، ويشجعه على الالتزام نابعًا من قناعة لا خوف.

* تعزيز النمو النفسي الداخلي
عندما يُستبدل العقاب الدائم بالحوار، ويُمنح الطفل حق التعبير، يتعلم فهم ذاته، واحترام قدراته، وبناء علاقة صحية مع نفسه ومع الآخرين، وهو ما ينعكس إيجابيًا على ثقته في مواجهة تحديات الحياة.

ختامًا
التربية ليست معركة لإثبات السلطة، بل رحلة لبناء إنسان متوازن، يشعر بقيمته، ويمتلك القدرة على التفكير، والاختيار، وتحمل المسؤولية.
فالسيطرة المفرطة قد تصنع طاعة مؤقتة، لكنها تضعف الشخصية على المدى البعيد، بينما التربية القائمة على التوازن والاحترام تُنشئ أطفالًا أكثر ثباتًا نفسيًا، وأقدر على التفاعل مع الحياة بثقة ووعي

استطلاع راى

هل تعتقد أن الربط بين المناهج وسوق العمل الذي تناقشه لجان البرلمان حالياً سيمثل حلًا جذريًا لأزمة البطالة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6120 جنيهًا
سعر الدولار 47.24 جنيهًا
سعر الريال 12.64 جنيهًا
Slider Image