صرخة من الدور الـ 13".. قراءة نفسية في مأساة "بسنت سليمان"
بقلم/ د.سماح عبد الحكيم – إختصاصية علم النفس
الابتزاز الاجتماعي والدراما الهستيرية قد يصنعان ضجيجًا عاليًا حول أي مأساة ، لكنهما لا يمكن أن يكونا تفسيرًا حقيقيًا لفعل معقّد ومؤلم مثل حدث إنتحار بسنت سليمان الذي نشهده اليوم.
فالواقعة صرخة روح خرجت من طبقات أعمق بكثير من لاوعي معاناة نفسية مكبوتة وصراعات داخلية متأججة إنفجرت كقنبلة موقوتة في صاحبها قبل ان تنفجر فيمن حولها.. وأودت بحياة حاملها وحده وليس بحياة الآخرين.
فكيف يكون هذا إبتزاراً مجتمعياً وصاحب الدراما نفسه الذي كان من شأنه أن يجني ثمرة الإبتزاز في عداد المفقودين؟!
يجب التفريق بين هذه الحالة وبين واقعة قديمة لفتاة تدعى "بسنت خالد" (2022) التي انتحرت بسبب ابتزاز بصور مفبركة.. ف حالة بسنت سليمان (2026) مرتبطة أكثر بنزاعات أسرية ، فقدان الممتلكات (الحريق) ، والشعور بـ "الخذلان" والظلم الإجتماعي من المحيطين.
بسنت خالد(2022) تخلصت من وصمة العار ونظفت سمعتها ورحلت في حالة هروب.. أما هنا فإنه" القهر " من يتحدث من خلال لغة منطوقة ومسموعة ومصورة ومسجلة حتي ينطق بها الأشهاد هنا وهناك.
عندما اختارت بسنت أن تنهي حياتها في "بث مباشر" أمام عدد لا حصر له من الملايين الذين سينطبع في ذاكرتهم إلي الأبد.. فنحن كمختصين في علم النفس ، لا ننظر للواقعة كحادث انتحار مجرد ، بل كظاهرة تعكس انهيار "نظام الدفاع النفسي" تحت وطأة الضغوط المتراكمة.
تراكم الصدمات :
حيث تُعبر القشة الأخيرة التي قصمت الروح عن العديد من التصدعات النفسية في حالتها التي لم تعد مستقرة.. بل وصلت لدرجة إضطرابية.. ثم تدهورت إلي أن بلغت الحد الذهاني الذي يكاد يكون منفصل عن الواقع..
فلم تكن لحظة السقوط هي البداية ؛ بل كانت المحطة الأخيرة لسلسلة من الصدمات (Traumatic Stressors).
النزاعات القضائية الطويلة ، فقدان الاستقرار الأسري ، وحادث حريق منزلها الأخير ، كلها كانت عوامل أدت إلى ما نسميه "الإنهاك النفسي المطبق".
في هذه الحالة يفقد العقل القدرة على إيجاد حلول منطقية لها علاقة بالواقع ، ويرى الموت هو "المخرج الوحيد" لإيقاف الألم والخروج من النفق المظلم الذي يضيق كل مدي.
سيكولوجية "البث المباشر" : لماذا أمام الكاميرا ؟
اختيار بسنت لتوثيق لحظاتها الأخيرة رقمياً حتي تكون أمام مرأي ومسمع الناس يحمل دلالات نفسية عميقة منها :
استعادة السيطرة (Agency) :
حيث شعرت الضحية بالعجز أمام القانون والمجتمع ، فكان قرار الانتحار علناً هو وسيلتها الأخيرة لامتلاك "زمام الأمور" وإجبار الجميع على الانتباه.
العدوان المرتد علي النفس :
لأن الانتحار هنا ليس استسلاماً فقط ، بل هو "فعل هجومي" موجه ضد خصومها ، لترك "ندبة ذنب" أبديةً في وجدانهم أمام الرأي العام.. وما دامت غير قادرة علي الإنتقام من الآخر الظالم بسكين العدالة طعنت نفسها بنفس السكين كرمزية علي اإنعكاس الصورة في المرآة " أنا إنتحرت بإيديكم "..
علي غرار"جعلوني مجرما"
البحث عن شاهد :
الشخص الذي ينتحر في بث مباشر يبحث عن "حضن جمعي" أو شهادة مجتمعية على مظلوميته قبل الرحيل.
اليأس المكتسب وفقدان الأمل :
عندما كتبت "خلوا بالكم من ولادي" ، كانت تعيش حالة من "الانفصال الوجداني".
ورغم غريزة الأمومة القوية ، إلا أن شعورها بأنها "محطمة" جعلها تعتقد (خاطئاً) أن غيابها قد يكون أرحم من بقائها منكسرة ، وهو ما يسمى في علم النفس بـ "التفكير النفقي" ، حيث يضيق الأفق فلا يرى الشخص إلا فوهة واحدة للخروج.
كلمة أخيرة
إن واقعة بسنت هي جرس إنذار حول خطورة
" القهر الاجتماعي " والخذلان..
نحن بحاجة لإدراك أن الصحة النفسية ليست رفاهية ، وأن الدعم القانوني يجب أن يوازيه دعم نفسي للمرأة في الأزمات الأسرية الحادة ، لحمايتها من الوصول إلى نقطة " اللا عودة ".

-18.jpg)

-15.jpg)


