الجمعة 17 أبريل 2026 | 03:00 م

أحمد محسن  يكتب :تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط بعد 2011 وصراع النفوذ

شارك الان

 منذ اللحظة التي بدأت فيها أنظمة عربية تتهاوى في عام 2011، لم يكن ما يجري مجرد احتجاجات داخلية أو انتقالات سياسية متعثرة، بل لحظة انفجار بنيوي أصابت قلب النظام الإقليمي العربي؛ حيث انهارت مؤسسات الدولة في سوريا، وتفكك السلطة في ليبيا، واهتزاز البنية السياسية في العراق، وكل هذا لم يخلق فقط أزمات داخلية، بل فتح فراغات استراتيجية عميقة أعادت تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق تشير الأدبيات المتخصصة في الأمن الإقليمي إلى أن الإقليم دخل مرحلة إعادة تعريف لترتيباته الأمنية، حيث برزت قوى إقليمية غير عربية كفاعلين مركزيين في ملء هذا الفراغ، وتوضح تقارير بحثية أن ضعف الدولة الوطنية العربية أتاح لإيران وتركيا وإسرائيل توسيع نطاق تحركهم العسكري والسياسي، بما حول المنطقة من نظام يقوم على توازنات عربية داخلية إلى فضاء تنافسي متعدد المستويات، تتقاطع فيه المصالح الأمنية والهوياتية والاستراتيجية عبر الحدود. 

وفي قلب هذا التحول البنيوي في موازين القوة الإقليمية، اتخذت إيران منذ بداية تغير موازين القوى في الشرق الأوسط خصوصًا بعد 2011 استراتيجية تعتمد على النفوذ عبر شبكة من الفصائل والحلفاء في دول عربية متعددة لفرض حضورها الإقليمي وتوسيع عمقها الاستراتيجي، ويظهر هذا النفوذ بوضوح في دعم طهران لفصائل متعددة مثل "حزب الله" اللبناني، "الحوثيين" في اليمن، والفصائل الموالية في العراق وسوريا؛ حيث لعبت هذه الكيانات دورًا مهمًا في الحفاظ على مصالح إيرانية في الساحات التي تراجعت فيها الدولة الوطنية العربية. 

وتتجسد هذه الاستراتيجية في استمرار دعم إيران لوكلائها حتى في مواجهة الضغوط العسكرية الخارجية، حيث تحاول طهران إعادة تسليح الفصائل في العراق ولبنان واليمن بعد تعرضها لضربات إسرائيلية وأمريكية، ما يشير إلى التزامها طويل الأمد بالحفاظ على هذه الشبكة كآلية للنفوذ بدلاً من الاعتماد على المواجهة المباشرة، ورغم إنكار القيادة الإيرانية المستمر لوجود "وكلاء" تسيطر عليهم بشكل كامل، كما قال المرشد الأعلى الإيراني في إحدى التصريحات الرسمية، إلا أن هذا التنسيق بين طهران والفصائل في المنطقة كما لوحظ في العلاقات بين إيران وجماعة الحوثي في اليمن يدل على وجود نوع من العلاقة الاستراتيجية غير المعلنة بين الطرفين في سياق مواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في الإقليم. 

ويُظهر ما سبق أن إيران تتجه إلى العمل من خلف الكواليس عبر وكلائها، لا سيما في سوريا حيث أعلنت مصادر أن إيران سحبت كبار الضباط من هناك واعتمدت على حلفائها كالحزب اللبناني لتعزيز نفوذها بعد الضغوط والضربات، ما يعكس تحولًا في أسلوبها من الحضور المباشر إلى التنسيق القريب مع الفصائل المدعومة محليًا. 

والإفادة المستمرة لهذه الشبكات يعني أن استراتيجية إيران لا تعتمد فقط على القوة العسكرية التقليدية، بل على تجذّر علاقات سياسية وأمنية مع الفصائل المحلية التي تمنحها قدرة على التأثير في السياسات الداخلية والدولية للدول التي تنشط فيها، وهو ما يجعل هذه الشبكات أحد أهم أدوات طهران في الحفاظ على حضورها الاستراتيجي المتداخل في المنظومة الإقليمية،وتُظهر بيانات حديثة عن العراق أن الحكومة العراقية أعلنت تجميد الأموال التابعة لجماعات مسلحة مدعومة من إيران، وفي مقدمتها حزب الله والحوثيون اليمنيون، في محاولة لتخفيف التوتر بين التوازن الإقليمي والضغوط الأمريكية التي تسعى لتقليص النفوذ الإيراني في البلاد، ما يؤكد أن طهران لا تزال تحتفظ بعلاقات قوية مع هذه الجماعات بالإضافة إلى شبكة سياسية واسعة في بغداد، و في الوقت ذاته، تؤكد تصريحات دبلوماسية رسمية أن إيران مستعدة للرد على أي هجوم أمريكي من خلال ضرب قواعد أمريكية في المنطقة بدلًا من إشعال صراع شامل، مما يعكس مزيجًا بين الاستراتيجية الدفاعية والتهديدات الاستراتيجية الواسعة ضد الوجود الأمريكي والإسرائيلي في الإقليم. 

علي الصعيد الآخر، اتبعت تركيا استراتيجية إقليمية متعددة الأبعاد في الشرق الأوسط بعد عام 2011، تجمع بين التوسع العسكري المباشر، والتحول نحو النفوذ الاقتصادي، والدور السياسي في دول ساحات النزاع مثل سوريا وليبيا وشرق المتوسط، وفي سوريا، حافظت أنقرة على وجود عسكري في الشمال وتقلّدت دورًا أكبر في دعم الحكومة الجديدة من خلال التدريب والمشورة العسكرية، بينما لم تعلن عن خطط فورية لسحب قواتها، مستندة بذلك إلى رؤيتها الأمنية والحدودية الخاصة التي تربط استقرار سوريا بأمنها القومي، وقد جسّد هذا الدور التركي في سوريا بعد سقوط النظام السابق تهديدًا لإسرائيل، ما دفع كلاهما إلى إجراء محادثات تقنية لتجنّب وقوع حوادث عسكرية مباشرة بين قواتهما، مع الحفاظ على خطاب رسمي بعدم الرغبة في مواجهة مفتوحة، وإضافة للوجود العسكري، تتجه السياسة التركية نحو العلاقات الاقتصادية والاستثمار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية في الدول التي تتدخل فيها، حيث بدأت تركيا بإمداد سوريا بالغاز الطبيعي عبر اتفاق مع أذربيجان لتلبية احتياجات الطاقة وتعزيز العلاقات بعد الحرب، وهو ما يعكس تحولًا في علاقة أنقرة مع دمشق من دعم مسلحين سابقًا إلى شراكات تنموية واستراتيجية، وفي ليبيا، حاولت تركيا تحويل مكاسبها من التدخل العسكري إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستدام من خلال اتفاقيات وبروتوكولات متعددة القطاعات، ما يعكس انتقالًا من الاعتماد على القوة إلى النفوذ عبر الشرعية والمؤسسات الاقتصادية، كما أن أنقرة لا تنظر إلى توسع نفوذها في الشرق الأوسط باعتباره مجرد حضور عسكري، بل تسعى أيضًا إلى الاندماج في القضايا الكبرى مثل ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط والمشروعات الاقتصادية المشتركة مع دول أخرى، ما يمنحها قدرة أوسع على التفاوض حول الطاقة والممرات البحرية وحتى الاتفاقيات الأمنية طويلة الأمد. 

وتُظهر هذه الاستراتيجية التركية أنها ليست مجرد لاعب إقليمي تقليدي، بل فاعل يسعى لإعادة ترتيب التوازنات عبر أدوات متعددة و قوة عسكرية على الأرض، ونفوذ اقتصادي، وتعاون دبلوماسي، بما يمكنها من تحويل مواقعها في الساحات الحيوية إلى نقاط قوة مؤثرة في المعادلة الإقليمية الأوسع. وفي المقابل تسعى إسرائيل منذ سنوات لتعزيز تفوقها العسكري والتكنولوجي كركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية، معتمدة على قوة جوية متقدمة وقدرات دفاعية معقدة تسمح لها بالتحرك بسرعة وفعالية ضد تهديدات متعددة داخل الشرق الأوسط، وقد تجسّد هذا التفوق في قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق سيطرة نسبية على السماء فوق أهداف استراتيجية في إيران خلال الحملات الجوية الأخيرة، مما منحه حرية تنفيذ ضربات جوية بعيدة ومتكررة ضد مواقع إيرانية داعمة للفصائل المتحالفة مع طهران، مع تعزيز الردع ضد أي محاولات لتحدي قوته الجوية، وتُظهر الإجراءات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة اعتمادًا على ضربات استباقية تستهدف ما تصفها سلطات تل أبيب بـ "التهديدات المتصاعدة"، مثل العمليات التي نفذها الجيش في شمال البلاد قريبًا من حدود لبنان استعدادًا لضربات ضد حزب الله، في إطار عقيدة ترى ضرورة ألا تنتظر إسرائيل هجوم الخصوم، بل أن تواجه مصادر الخطر قبل أن تتصاعد.

وإلى جانب المفهوم الاستراتيجي للضربات الاستباقية، تعزز إسرائيل تفوقها الدفاعي عبر تطوير أنظمة متقدمة مثل نظام "آيرون بيم" للإنذار والاعتراض الليزري الذي يُعد أحد أبرز الابتكارات في الدفاع الجوي، ويُستخدم جنبًا إلى جنب مع منظومات مثل "قبة الحديد" و"ديفيد سلينغ" لتعزيز الردع وحماية الأجواء من الصواريخ والطائرات المسيرة المعادية، وكما توسّعت القدرات التكنولوجية الإسرائيلية لتشمل الاستخبارات المتقدمة والمراقبة الفضائية، مثل إطلاق أقمار صناعية لرصد التحركات في مختلف نقاط المنطقة، مما يعزز القدرة على اتخاذ قرارات سريعة في العمليات العسكرية والاستخباراتية، ويُعد جزءًا مهمًا من الهيمنة التكنولوجية الإسرائيلية في المجال الدفاعي. وبجانب البعد العسكري، لعبت اتفاقيات التطبيع مع بعض الدول العربية دورًا في تعزيز موقع إسرائيل الإقليمي، حيث تم توقيع سلسلة من هذه الاتفاقيات التي أُطلق عليها "اتفاقيات إبراهيم" مع عدة دول، مما أتاح لإسرائيل توسيع تعاونها الاقتصادي والأمني، وإن كان هذا التعاون يواجه تحديات بسبب التوترات في ملفات كثيرة منها القضية الفلسطينية، وهذه الأدوات من الضربات الاستباقية إلى التفوق التكنولوجي والدفاعي، وصولاً إلى محاولات تكوين تحالفات جديدة تشكّل كلها معًا قلب الاستراتيجية الإسرائيلية في الساحة الإقليمية، والتي تُمكّن تل أبيب من الحفاظ على موقع قوي في مواجهة خصومها المباشرين وغير المباشرين، بينما تسعى لإعادة صياغة قواعد التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط بما يخدم رؤيتها وأولوياتها الاستراتيجية. 

ويتضح لنا جميعًا من استعراض الاستراتيجيات الإيرانية والتركية والإسرائيلية أن تأثير هذا التنافس لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يمتد ليؤثر في طبيعة النظام العربي نفسه، حيث في دول مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا، أصبحت قرارات الأمن والطاقة وأحيانًا السياسة الخارجية مرتبطة بدرجة كبيرة بوجود أو ضغط قوى إقليمية غير عربية، وهذا الوضع أضعف فكرة العمل العربي المشترك، وجعل بعض الدول تتحرك وفق موازين قوى خارجية أكثر من تحركها ضمن إطار عربي جماعي، وفي الوقت نفسه، لم يؤدِّ هذا التنافس إلى انقسام واضح وثابت بين معسكرين، بل خلق حالة من التحالفات المتغيرة، فقد تتعاون دولة عربية مع طرف إقليمي في ملف أمني، ثم تختلف معه في ملف اقتصادي أو سياسي، وهذا النمط كله يعكس محاولة بعض الدول تقليل الخسائر والحفاظ على قدر من الاستقلال دون الدخول الكامل في أي محور. وإذا استمر هذا الوضع، فمن المتوقع أن يواجه النظام العربي أحد مسارين: إما أن تظل بعض الدول ساحات نفوذ تتنافس فيها القوى الإقليمية لفترة طويلة، أو أن تظهر محاولة عربية لإعادة بناء توازن جماعي جديد يقلل من الاعتماد الأمني الخارجي ويعزز التعاون الاقتصادي بين الدول العربية نفسها، ولكن هذا الاحتمال الثاني يحتاج إلى تنسيق سياسي أوضح وإرادة مشتركة أقوى، وهو ما لم يظهر بشكل كامل حتى الآن، ولذلك يبدو أن مستقبل النظام العربي سيتحدد بمدى قدرته على التحول من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل في إدارة التوازنات الإقليمية. 

وفي ضوء ما سبق، لا يبدو أن الشرق الأوسط يتجه إلى حالة استقرار قريب، بل إلى مرحلة إعادة تشكيل طويلة المدى لقواعد التوازن فيه، فالتنافس بين إيران وتركيا وإسرائيل لم يعد مجرد صراع نفوذ عابر، بل أصبح جزءًا من بنية الإقليم نفسه، خاصة في ظل تراجع القدرة العربية على إدارة الأزمات بشكل جماعي بعد عام 2011، وهذا الوضع خلق نظامًا إقليميًا غير متوازن، تتحرك فيه القوى غير العربية بثقة أكبر، بينما تتحرك الدول العربية في مساحة أضيق تحاول فيها حماية مصالحها بأقل تكلفة ممكنة، وإذا استمر هذا المسار فمن المرجح أن تتكرس صيغة "التوازن الهش"، حيث لا تنتصر قوة بشكل كامل، ولا يختفي التوتر، بل يبقى الإقليم في حالة إدارة مستمرة للأزمات بدل حلها، ومع ذلك يبقى مستقبل هذا المشهد مفتوحًا على احتمالات مختلفة، فإذا استطاعت الدول العربية الكبرى إعادة تنسيق مواقفها وبناء أولويات أمنية واقتصادية مشتركة، فقد يتحول النظام العربي من ساحة تنافس إلى طرف مؤثر في رسم قواعد اللعبة، ولكن حتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن ميزان المبادرة ما زال في يد القوى الإقليمية غير العربية، وهو ما يجعل السنوات القادمة حاسمة وحساسة في تحديد ما إذا كان النظام العربي سيستعيد وزنه، أم سيبقى إطارًا ضعيف التأثير داخل معادلة أوسع تدار من خارجه.

استطلاع راى

هل تعتقد أن اندلاع صراع عسكري بين واشنطن وطهران سيغير خريطة القوى في الشرق الأوسط للأبد؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 7079 جنيه مصري
سعر الدولار 51.71 جنيه مصري
سعر الريال 13.78 جنيه مصري
Slider Image